ابو القاسم عبد الكريم القشيري
606
لطائف الإشارات
إن قيل لكم : ارجعوا . . فارجعوا ؛ فقد تكون الأعذار قائمة ، وصاحب الملك بملكه أولى . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 29 ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 29 ) رفع اللّه الجناح والحرج في الانتفاع بما لا يستضرّ به صاحبه بغير إذنه ؛ كدخول أرض للداخل فيها أغراض لقضاء حاجته - ولا يجد طريقا غير ذلك - إذا لم يكن في دخوله ضرر على صاحبها ، وجرى هذا مجرى الاستظلال بظلّ حائط إذا لم يكن قاعدا في ملكه ، وكالنظر في المرآة المنصوبة في جدار غيره . . وكل هذا إنما يستباح بالشرع دون قضية العقل - على ما توهمه قوم . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 30 ] قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 30 ) : « يَغُضُّوا » : من أبصار الظواهر عن المحرّمات ، ومن أبصار القلوب عن الفكر الرّدّية ، ومن تصوّر الغائبات عن المعاينة « 1 » ، ولقد قالوا : إنّ العين سبب الحين ، وفي معناه أنشدوا : وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك - يوما - أتعبتك المناظر وقالوا : من أرسل طرفه اقتضى حتفه . وإن النظر إلى الأشياء بالبصر يوجب تفرقة القلوب . ويقال إن العدوّ إبليس يقول : قوسي القديم وسهمى الذي لا يخطئ النظر . وأرباب
--> ( 1 ) ربما يقصد القشيري أن ينهى عن إقحام فكرة النظر بالعين في الأمور الغيبية ، وبمعنى آخر النهى عن إخضاع كل شئ للحس ، فطبيعة الغيبيات تختلف عن ذلك ؛ وإلا كنت كمن يحاول عبور الماء فوق جواد ، أو يعبر اليابسة وهو في سفينة - على حد تعبير جلال الدين الرومي في سياق مماثل .